فتحت عيني ببطء ، ليس كسلاً بقدر ماهو شعور حقيقي بثقل أجفاني وحرارتها ، وضعت يدي على جبيني ، آآآوتش ساخن ككوب قهوة قارب على البرودة ! كنت أشعر بإعياء بسيط ليلة أمس ، لم أتوقع أن يتفاقم الأمر إلا هذا الحد ! ، تحركت من فراشي بثقلٍ وأنا أشعر بشيء أشبه بـ كرة قاسية تتحرك في حلقي ، أوووه ما هذا أيضاً حمى وألتهاب و .. ” آآآآآتشو ” ، وأكتملت اللوحة الفنية ! لالا ، لا بد أن أعلن حالة الطواريء ، الأمر يسير بشكلٍ جدي !
مشيت ببطء نحو الصالة بعدما بدلت ملابسي وهممت بالخروج ، دخلت بهدوء وكلي كسلٌ حتى في إلقاء السلام ..
- صباح الخير ! بدري ؟ مو بالعادة كل هالنوم !
صوت ثانٍ يكمل :
- من جد وينك من أمس عايش بعالم ثاني !
ويأتي دور والدتي التي تكتفي بإرسال إبتسامة من وجهها البشوش نحوي ، أجيبهم بصوتٍ حزين بئيس يخرج من حنجرة مصابة بإلتهاب مع تعابير وجه تراجيدية وأنفٍ قارب على الإحمرار ، وكأني أقف على مسرح ممسكاً المايك بيدي أمام جمهورٍ غفير :
- غديت طفلـن ضايعـن فيه عبره .. ومحدن سأل وش فيه ماقاااال لا باااس
- لاااااا خلاص أرجوووك ستوب ستوب … لا تشوه الشي الجميل هذا بصوتك الأليم ! أعتزل تكفى ..
- أنتي يحصل لك أصلاَ ! أجل من أمس تعبان ومنهد حيلي ومحد يدري عني : (
وكما توقعت ، اندفعت والدتي بسيل من الكلمات التي كنت أنتظرها وأتصنع المشهد التراجيدي قبل قليل من أجل الإستمتاع بسماعها :
- بسم الله عليك وش بك ؟ مرتفعة حرارتك ؟ وراه ماقلت لي أمس وانا أمك أسوي لك زنجبيل وأجيب لك موية مقري فيها..
وظلت والدتي تتحدث لدقائق لم ألتقط كل كلمة قالتها ، كان يكفيني فقط أن أشعر أنها تتحدث الآن عني بخوف وحرص ! ، رغم أني أصبحت رجلاً لكني لازلت كطفلٍ لا يشبعه حنان أمه مهما كان مقداره ، لايرضي كبرياءه سوى دلالها الزائد ” حبتين ” !
قبلتها على رأسها بعدما أعطتني جرعة كلامٍ أرضى غروري وزادني تصنعاً للألم أمام أخوتي الذين ما أنفكوا يسخرون من عطساتي المتوالية ، ركبت سيارتي وقدتها ببطء نحو المستشفى لأتخلص من هذا الزكام\الزحام الذي يتلبسني …
” ألحين الي يقعد بأنتظار مستشفى يستنى ينادون أسمه ويكون حاط الآي بود ومنزل راسه شلون بيسمع أسمه بالله ! ”
كنت أتأمل أحدهم حين كتبت هذه العبارة بأصابعي التي أدمنت أحرف البلاك بيري ثم رميته بتكاسل على المقعد المجاور لي وأسندت رأسي للجدار وأنا أسمع أصواتاً مختلفة مابين ” أحممم ” و ” آتشوووو” و صوت ممرضة تنادي بأسماء كـ ” موهمد ” و ” كالد” ممتزجة بصوت المصعد الذي يعلن وصوله للدور الأرضي في قسم الطواريء بمستشفى ” دله ” ..
- Beautiful nose
قالها لي العامل الذي أقترب مني ليعقم الأرضية ..
- excuse me ! are you kidding me
قلتها بتهكم وأنا أنظر إليه بنصف عين ورأسي لازال مسنداً على الجدار
- No sir !! I’m serious
- Thank you thank you , I know… It’s beautiful ..
I know
قلتها بمزاح وشيء من ثقة وأنا أغفر لأنفي أحمراره الغير مرغوب هذا !
سحبت المنديل العاشر وأصابع يدي الأخرى مشغولة بالـ BB ، كتبت بكل ثقة ” قايل لكم من زمان خشمي حلو ! “، عطست للمرة المليون ، اعدت النظر إلى الشاشة وكتبت للمرة المليون ” آآآآتشووو” وتوالت على شاشتي للمرة المليون ” يرحمك الله ” ! ، تدخل الممرضة ونظراتي نحو حركة شفتيها أنتظرها أن تنطق بـ ” موهمد ” لعله يكون أنا ، لكنها تبدع في أسمٍ آخر فأتململ وأتراخى مجدداً على كرسيي حتى مضى قرابة الساعتين بدأ خلالهما جسمي يتراخى شيئاً فشيئاَ ويستسلم للحمى أكثر ، أصبحت أرتجف قليلاً ! ، أشعر بوهن فظيع ، أتألم من أي شيء يصدم بجسدي حتى لو كان شيئاً صغيراً بحجم الأصبع ! ، وحرارة فظيعة تملأ أجفاني كلما حركتها !
مشيت ببطء نحو الجهة المقابلة حيث يقبع د.كيف في الطرف الآخر من الطواريء ، أخذت كوب قهوتي وعدت أدراجي ويدي الأخرى وعيناني مشغولتان بجهازي ، مشيت حتى كدت أقترب نحو الطرف الآخر و .. ينفتح باب الطواريء وسريران يندفعان أمامي فجأة وسط أصوات المسعفين المتداخلة الذين تناثروا خارجين من سيارة الأسعاف، أحد السريرين يحمل شخصاً فاقد الوعي غارقاً في دماءه والآخر يحمل شخصاً يأن بألم وقدمه تنزف بغزارة ، ضحايا حادث سير بلا شك ! ، تبعهما أمرأة ورجل يركضان خلف السريرين ، مع شيء من بكاءٍ وأصواتٍ عالية ، تماماً كما في المسلسلات الخليجية ! ، عدت خطوتين للوراء حتى لا أقف عثرة في وجه السريرين القادمين بقوة من جهة الباب ، كنت مذهولاً من هول المنظر ، أرتجف ومرتبك و “آآآآآح” سقط الكوب من يدي ، لا أدري لمِ سقط بهذه السهولة هل لأني كنت أنتفض بشدة من الحمى لا أقدر على حمل نفسي ونسمة الهواء تسقط من يدي أخف الأشياء ، ام لأن السرير الذي مر بلحظة من أمامي أعاد لي ذكرى يومٍ سيء كنت فيه مثل ذلك الرجل الملون بدمائه فارتجفت لهول الذكرى وسقط الكوب ، أم لأن باب الطواريء حين انفتح أدخل معه هواء الرياض البارد الذي كان يصارع الزجاج في الخارج فانتـفضت وسقط الكوب ؟ … لا أدري ! انصرفت وأنا لازلت أعيش الذهول ذاته نحو دورة المياه لأنظف ثوبي المتسخ بقهوتي المرتجفة ، وسمعت أسم ” موهمد ” أخيراً ويبدو أنه أنا ، تبعت الممرضة إلى الطبيب الذي أستغرق الأمر معه دقيقتين قبل أن يقول :
- تحتاج مغذي ، وزي ماقلت لك داوم عـ Panadol Cold & Flu
- أوكي ، أي أنا جاي عشان المغذي أصلاً : )
كان آخر ماأذكره ارتباك الممرضة الفاشلة التي عذبتني حتى أستطاعت أخيراً أن تجد طريقها لعروقي وتدس أبرتها فيها!
” مين الكسلان الي يخاف من الأبرة ! ”
كتبتها وتراخت يدي وضاع جهازي في زحمة الأغطية البيضاء وضاع معه أدراكي وأصوات الممرضات تخفت من حولي بالتدريج ، الصور تتداخل بالتدريج حتى تفقد هويتها ، أختي تضع يديها على أذنيها حتى لا تسمع غنائي ، وجه أمي القلق ، القهوة المنسكبة ، دماء على وجه رجل وآخر يضع آيبود ويسترخي ، وجه الطبيب المرهق وجه الممرضة الحانق ، أنبوبة المحلول الذي يغذيني ، وانقطع الصوت تماماً ، واندمجت الصور للونٍ واحد أسود و أنقطعتُ أنا و … نمت بعمق …
:
:
* موهمد = محمد … كالد = خالد p :







