معرض الكتاب ، كم انتظرتك طويلاً !

مارس 1st, 2010

1267392730

حسناً ، وأغلب الظن أنكم تحدثون أنفسكم بعد قراءة العنوان ، ” هل تريد أن تخبرنا أنها دودة كتب تتنفس القراءة وتشربها وتأكلها ! ” ، سأجيبكم بـ ” لا ” مرتين ، المرة الأولى لا أنا لا أريد أن أخبركم بذلك ،  والمرة الثانية لا أنا لست دودة كتب ، لكن بصدق ، أليس هذا حال أغلبنا ما إن يقترب معرض الكتاب كل عام ؟ ، نتحدث عنه وكأننا حُرمنا من الكتب على مدار عامٍ كامل وكأن هذا المعرض جاء ليروي ضمأنا ، بينما في الواقع لازالت أرففنا تحوي كتباً من معرض العام الماضي لم تُقرأ بعد ! ، لماذا إذن نحاول إظهار عكس مايبدو في الواقع ! ، نعم جيد أن نهتم بمعرضٍ بهذا الحجم وبفرصة كهذه الفرصة ، لكن الواقع أننا نتهافت على التحدث عنه وتزدحم أمامنا قوائم الأصدقاء بأسماء الكتب التي ينوون شرائها فنأخذ من قائمة فلانة ومن قائمة فلان ونضيف عليها مايروقنا من أختياراتنا حتى نخرج بقائمة طويلة لانفرغ من قراءتها قبل قدوم المعرض القادم !

المدونة العزيزة  آلاء كتبت على حائطها في الفيس بوك :  ” قرار علني ..لن أزور معرض الكتاب لهذا العام .. لأن في مكتبتي كتب لم تقرأ بعد ” ، وأجده قراراً شجاعاً في نظري ، لكني لا أجرؤ على تطبيقه بالكامل ، سأحذو حذو آلاء هذا العام في زيارتي للمعرض لكن بصورة مختلفة قليلاً ، قررت أن أشتري 5 كتب فقط ، حتى وإن أغرتني بقية الكتب بعناوينها سأتغاضى عنها ، لن تطير من المكتبات على كل حال ! ، كل عام أخرج من المعرض بقرابة العشرين كتاباً ويأتي المعرض القادم و خمسة كتبٍ أو ستة من هذه العشرين لم تُقرأ بعد ، لماذا ؟ ، لأني كنت أقرأ بدلاً منها خمسة كتب أخرى من المعرض الذي قبله والذي لم أنه كتبه أيضاً ! ، لذلك هذا العام سأنتقي أكثر خمسة كتب تكررت في قوائم الأصدقاء وأشتريها ، فقط ، هذا كل شيء .

بالنسبة لطقوس الزيارة ، أحب زيارة المعرض مع رفقة ، لا أحبذ أبداً زيارته لوحدي ، هذا العام سأذهب برفقة قريباتي آلاء وأفنان ومن الآن واثقة أنها ستكون رفقة ممتعة مليئة بـ خفة الدم : ) ، شيء آخر ، في كل عامٍ أزور المعرض أتمنى أن أجرب حضور أحدى الندوات والجلسات التي تعقد على هامشه ضمن إيطار الدولة ضيفة الشرف للمعرض ، لكني في كل مرة أشعر بأن الأمر سيكون مملاً فأعدل عنه ، العامين الماضيين كانتا اليابان والبرازيل ضيفتا الشرف ، ربما كان يجدر بي حضور بعض الندوات التي تتحدث عن ثقافة هاتين البلدين ، لكن لسوء الحظ حين قررت خوض التجربة هذا العام ، ضيفة الشرف أصبحت ” السنغال ” ، حسناً ، لا أظنني سأخدع نفسي بأن الأمر سيكون ممتعاً ، لذلك عدلت عن حضور الندوات هذا العام إيضاً بإستثناء الندوات المتعلقة بالأدب هنا ، أتمنى أن يساعدني الوقت لحضورها .

التواقيع ، عادةً لا أحرص عليها كثيراً ، لكن إن صدف وأن تواجد الكاتب \ الكاتبة أثناء تواجدي فلا بأس بالحصول على توقيعهم على نسختي مالم يكن الأمر يستلزم طابوراً وأنتظاراً قد يمتد لساعة أو تزيد ، الأمر عندي مجرد توقيع ، إن حصل بيسر وإلا فلا يلزمني : )

المكان الوحيد في المعرض الذي لم أدخله قط على مدار الأعوام السابقة وأشعر أنه عالم جميل ، هو جناح الأطفال ، حين أشاهدهم مع أهلهم يتقافزون نحو بوابة الدخول أفرح كثيراً حتى وإن سمعت تعليقاتٍ كـ ” والله مايدرون وش الطبخة ! ” ، حضورهم وانتقاءهم لكتبهم بأنفسهم غرسُ جميل لن تنزعه مستجدات حياتهم بسهوله ، من يحب القراءة في صغره لن يتركها حين يكبر أبداً ، فشكراً من القلب لكل أمٍ و أب يعطون من وقت زيارتهم للمعرض لأطفالهم  ، شكر وأحترام لأنهم لا يحتقرون كون طفلٍ يزور معرض الكتاب ليشتري قصة مصورة ، تلك اليدين التي جربت أن تمسك القصة المصورة ، ستحب أن تمسك ذات يوم قصة بلا صور ، ثم كتاباً حقيقياً ، إذن القصة المصورة ليست أضحوكة ، إنها بداية حقيقية .

حدثوني عنكم ماذا تفعلون عادة في معرض الكتاب ، هل تفضلون الذهاب لوحدكم أم مع رفقه ، هل تهمكم كثيراً تواقيع الكتاب ، ماذا عن طريقتكم في زيارة دور النشر ، هل هناك دور معينة تقصدونها مباشرة أم أنكم تزورونها جميعاً بالترتيب ؟ ، و سأكون سعيدة بقوائمكم حتى يتسنى لي استخراج كتبي الخمس العظيمة  : ) ، والتي أتمنى ألا تكون جميعها في دار الساقي لأني لن أتمكن من رؤيتها حتى من شدة الزحام عند تلك الدار التي أحب تسميتها بـ مثلث برمودا الغامض !

ONE STEP .. SIMPLE STEP !

فبراير 28th, 2010

1267303359

- You never looked , you didn’t  look  in her throat , because if you had , you would have seen soot , and you should ‘ve  intubated immediately, and non of this would’ve ever happened .

- No ! .. that’s .. it’s .. I got distracted ..

- I know ..

- It was .. it was insane !

- I know .. It was a simple mistake .. In the circumstances you were under , I know ..

- …… !

- I’m sorry , Dr. Kepner ..

- No .. No .. I .. I  m .. I missed ONE STEP .. I ..

- I know  .. and look what it’s led to ..

- …. ! !

- you’re fired .

- I …  .

هكذا كانت تصرخ د. كيبنر في Grey’s Anatomy  ، تتحدث برعب و أسى وحروفٍ مرتجفة بعد أنصدامها بالحقيقة ، حقيقة أنها بسبب غلطة بسيطة في الكشف المبدئي تهاوت المريضة بين يدي 8 جراحين تعاقبوا عليها وكلٌ منهم يجهل سبب تدهور حالتها بهذه السرعة ، غلطة بسيطة ، خطوة واحدة فقط نسيتها د.كيبنر أدت إلى تعاقب هذه الأزمات خلال ساعات فقط ! ، نسيت فقط أن تطلب من المريضة أن تفتح فمها لتفحصه ، فكانت الجراحات والتعقيدات ثم موت المريضة ثم طرد الطبيبة من العمل ! ، بسبب إجراء روتيني بسيط يتلاشى مستقبلها ، كانت تتحدث بقهر وهلع لتفاهة ما نسيته ولعظم نتيجة هذه الغلطة البسيطة ، ربما لم يكن المشهد مؤثراً بدرجة كبيرة للكثيرين ، ربما في ظاهره يعتبر مشهداً عادياً في مسلسلٍ مليئ بالمفاجآت ،  لكنه استوقفني طويلاً ، خطوة واحدة ، وبسيطة ، تغير مجرى حياة إنسان ! ، ماذا عن أحداث حياتنا نحن ، أعني قد تمر علينا الكثير من الأشياء التي قد نعتبرها تافهة جداً لكنها قد تغير المسارات بشكلٍ جذري ، هل حدث وأن نسيت خطوة واحدة أو أخفقت في خطوة واحدة ، صغيرة وبسيطة جداً ، لكنها كلفتك الكثير ؟ أياً كانت تلك الخطوة في عملك أو حياتك الشخصية ، أياً كانت بيئتها وأحداثها ، لست مجبراً على سردها هنا إن لم ترغب ، فقط حدثنا عن شعورك حيال الخسارة ، عن الفاتورة الباهظة الثمن التي دفعتها من جيب صدمتك .

حكايا شتاء 3

فبراير 7th, 2010

assembly_class

الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت الرياض ، الثامنة وخمس دقائق بتوقيت ساعتي ، وأنا كباقي صباحات السبت ، أركض نحو مبنى 4 ، القاعة 41005 ،أشتاق لصباحات شتاء العام الماضي ، حيث نجلس معاً بشكلٍ أكثر من هذا الشتاء ، أتصفح جريدة الجزيرة مع صديقتي نورة ، تلك التي أحب تعليقاتها على الأخبار ونكتها التي تسعدني بها ، لتصفح الجريدة معها طعمٌ خاص ، تارة نعلق بسخرية وتارة بجدية حسب الخبر ، هذ الشتاء أفتقدت نورة ، لم أعد أراها إلا أثناء ركضي بإتجاه مبنى الحاسب حيث محاضرة الأسمبلي وأثناء ركضها بإتجاه مبنى كلية الشريعة حيث مكاتب أستاذات القرآن لتُسمع نصاب القرآن الذي لم تُقيم عليه بعد :

- أهلين صباح الخير ، وش عندك ؟

- صباح النور ، أسمبلي :”(

- ياااااوك الله يعظم أجرك .. يالله نشوفك

- يالله سلاااام

وتركض كل واحدة منا بإتجاه مايشغلها ، رغم أنها تترحم علي في كل مرة تعلم أني ذاهبة نحو محاضرة الأسمبلي لكنها كانت تعطيني أملاً قوياً بالنجاح ، شكراً يانورة وصدقيني سأحتفل بإتمامك نصاب القرآن المقرر علينا في الجامعة أكثر من أحتفالي بمشروع تخرجك ، لأني واثقة أنك آخر طالبة في الدفعة كلها تذهب إلى الأستاذة لتقيم حفظها ، أصبح اتمامك للحفظ حفلة وخبراً لا يصدق لدى الشلة .

-  أبشركم بنات سمعت قرآن .

- مبرووووووك ماشاااء الله للوووليييييش لأ لأ نورة سمعت ماأصدق

- نورة صفي لنا شعورك في هذه اللحظة ؟

- ههههههه  الله يبارك فيكم يالله عاد شدوا حيلكم .. نستقبل التبريكات والهدايا حتى بداية الفصل الدراسي القادم D:

أصل لخط النهاية حيث باب القاعة المغلق هو مايفصلني عن ساعتين من الكآبة تنتظرني خلف الباب ، أطل من نافذة الباب بإتجاه الطالبات أبحث عن وجوهوه معينة ، ينتبه لي بعضهم ويبتسمون ، أرفع بصري للأعلى مع تعابير وجه حزينة تقول ” الله يستر ! ” ، أفتح الباب وأدخل ببطء تلتقي نظراتي بنظراتها ، مشكلتي أني لا أجرؤ على الدخول بسرعة والمشي بسرعة والجلوس كما تفعل الكثير من الطالبات ليضعنها أمام الأمر الواقع ، لا أعرف سوى حركة الـ  slow motion هذه مصحوبة بنغمة pink panther ترن في رأسي ، وكأني في كل صباح تلتقي فيه أعيننا أخبرها بأن ” أحفظي وجهي جيداً يا دكتورة ، فأنا الطالبة التي تتأخر عن محاضرتك دائماً ” ! ، وككل صباح أستقبل تلك النظرة المرعبة من تحت النظارة مع إيماءة بالموافقة وشيء من كلمات اللوم ، فاغلق الباب خلفي وأمشي باتجاه آخر القاعة حيث أجلس ويبدأ الملل ، حاولت كثيراً في بداية الأمر أن أضع عيني وذهني نصب ماتكتبينه وتقولينه لكني عبثاً أحاول ، في بداية الأمر ظننت أن المشكلة تلازمني وحدي حتى أكتشفت بعد مدة ليست بالطويلة أن الكل يعاني مما أعاني منه !

- وش هذا والله ما أفهم شي كلامها أبداً مو مفهوم مخلط حتى لما تتكلم عربي لهجتها ماأدري وش تقول يعني من أقصى المغرب العربي !

- نفس حالتي حاولت بالبيت أقرا السلايدات وماطلعت بنتيجة .. شي يبيله شرح مو بس قراية ..

- تدرين أني بالقاعة بس كذا أتفرج وربي ماأدري وش تقول وما أدري وش مكتوب بالسلايد الي تعرضه .. أصلاً تطير عيوني فجأة تشرح بسلايد بعدين تحرك السلايدات بسرعة وتنقز لسلايد بعدين ترجع لسلايد قديم وحوسة ..

- آه خليها على الله بس ..

وأصبحت محاضرة الأسمبلي تلك وقت الشرود الرسمي لذهني ، روتين دائم ، كرسيٌ في آخر القاعة بجوار النافذة إن أمكن ، مع أفكار لا حصر لها ، لا ينقطع سيل الأفكار إلا بانقطاع صوت الدكتورة مصحوباً بصوت طاولات الكراسي وهي تُرفع وأقدام الطالبات تغادر المكان ..

- ” لما نبغى نديرو ديزاين على طريقة السكيونشيال سيركت وأنا عندي 4 ريجستر بستخدم 1×4 ماكس ونشوف شو …. “

كانت هذه العبارات تتسلل إلى أذني رغماً عني بإعتبارها ” شرحاً ” ، ويدي تعمل بحماس في رسم sketch لمنظرٍ في مخيلتي ، يدي تتحرك بسرعة وعشوائية ، صوت الدكتورة يخترق إذني كطنين مزعج مصحوباً بأصوات السيارات التي يكتض بها شارع الظهران الضيق ، حيث تطل عليه هذه النافذة التي أتكيء عليها ، متناقض هذا الشارع بالمناسبة ، شارع ضيق يتوسط حي الملز حيث المباني كلها تشهد بداية طفرة الرياض أيام الثمانينات ، للوهلة الأولى حين تنظر إليه بدكاكينه الصغيرة المتراصة ومبانيه القديمة تشعر أنك في أحد أحياء مكة القديمة ، لكن اللوحة الخضراء على سور الجامعة تقول إن إسمه ” شارع الظهران ” ، الظهران ؟ أولا تستحق الظهران بحداثتها شارعاً أفضل من هذا ؟ أولا يستحق هذا الشارع أسماً له نكهة تاريخية ، لا أرى أي مظهرٍ يرتبط بالظهران في هذا الشارع ..

شعرت بجوالي يهتز ، التقطته و نظرت بشكلٍ تلقائي نحو الدكتورة كمجرمٍ يطمئن على سلامة المكان من المراقبة ، اعدت بصري نحو الشاشة وأنا شبه متيقنة أنها رسالة من أمي تخبرني فيها بشيء ضروري ، أقرأ ” فيه محشش أهله …” و ..

- ههههههههههه

صدرت مني تلقائياً ، تداركت نفسي وصمت بسرعة بعد أن وصلت الضحكة لمسامع الدكتورة ، وكما يحلو لعيني أن تفعل فقد ألتقتا بعينيها حيث النظرة ذاتها من تحت النظارة ! ، صرفت بصرها عني واستدارت نحو السبورة في ذات اللحظة التي أدرت فيها رأسي للخلف وأنا أنظر إلى رزان التي يفصلني عنها ثلاثة صفوف وأبتسم ، حركتُ شفاهي “حلللوووة “  ، بادلتني الإبتسامة وأعادت بصرها للشاشة ، اعدت رأسي بسرعة وكتبت ، ” هاتي أي نكته عندك،طفشانة من جد ” ، ” طيب بس لا تفضحينا ” ، وظللنا نتبادل الرسائل مابين نكتة وسالفة وخبر ، حتى جاء الفرج وانقطع الصوت الذي يفترض أنه شرح ، لم أكن أشعر بتأنيب الضمير أبداً ، الكل في القاعة مشغول بكل شيء عدا مايقال ، هذه تذاكر مادة أخرى وهذه تكمل أوراقها وتكتب ، وهذه يا للأنوثة التي لا تأتي إلا في محاضرة الأسمبلي تبرد أظافرها بكل عناية وروقان !

- فيه وحده أسمها أستاذة مها شرحها كويس كانوا يروحون لها البنات العام .. مو العام وبس .. كل الدفعات الي درسوا عند هالدكتورة يروحون لها  .. شرايكم نروح لها ؟

- أوكي .. الشكوى لله نروح لها ..

وهكذا ابتدأ مسلسل الدروس الخاصة عند أستاذة مها في منزلها الواقع مابين شارعي الثلاثين والتحلية ، هناك حيث نجتمع مساء كل خميس ، الوقت الذي يفترض أنه ” ويكند ” ومتعة ، لكنه بالنسبة لنا مختلف تماماً ، نجتمع حول طاولة مستديرة في تلك الغرفة الصغيرة ، وقد لبست كل واحدة منا كل تعابير الإحباط والملل على وجهها ، يد الأستاذة تجري بسرعة على الورقة وأنا أحاول أن اعطيها حواسي وانتباهي ، اقترب برأسي من الطاولة ، أحدق في الورقة وأصغي لما تقول ، أفهمها وأهز رأسي بالموافقة ، وماهي إلا دقائق ويبدأ الملل يتسرب مرة أخرى ، أعود وأسند ظهري لمقعدي ، أفرقع أصابعي بملل وأنا أحدق بالورقة وذهني خارج الغرفة تماماً ، اعود من شرودي اتأمل الوجوه الملتمة حول الطاولة ، أمل تمضغ اللبان ببطء ، تصنع بلونات صغيرة بلبانها بينما تسند رأسها على يدها بضجر ، تتأمل الورقة وتهز رأسها مع الأستاذة و” طاااع ” ، صوت فرقعة اللبان قوي هذه المرة يا أمل ، تعدل جلستها وتعتذر للأستاذة بينما نضحك نحن بكسل ، لمى تنظر كل دقيقة للـ BB  ، تكتب بحماس ، تسمع صوت القلم الذي تطرقه الإستاذة على الطاولة وهي تنظر إليها ، ترفع رأسها بسرعة ” أيووه ، أيوه معاكم معاكم :$ ” ، وأنا أمسك ” المزيل ” المرمي على الطاولة بإهمال وأرسم به على طرف الورقة ، وأنا أذكر نفسي أن العلم نور وأن مساء الخميس مناسب جداً للدراسة والتضحية بالمتعة ، أجمع الأوراق التي أمامي ، أنفخ الهواء باتجاهها حتى تتحرك ببطء ، ورقة ورقة ، أجمعها من جديد ، انفخ بأتجاهها مرة أخرى بحماسٍ أكثر هذه المرة ، وكأني انجزت كل مهامي في هذه الدنيا ولم يبقى لي إلا نفخ هذه الورقات ..

- نوووووورة ! بدي أأرصك أنا .. بدي أأرصك !  شو هاد بنات معليش بليز ركزوا معي ! بليز بنات لازم تساعدوني نخلص المنهج .. انتوا كتير مضغوطين ! أوكي اليوم خميس أنا عارفة هالشي ومتفهمة أنو يوم إجازة والناس برا مبسوطة وبتطلع وبتتمشى بس لازم تضحوا أنتوا حاسب مافي أشي بيجي ببلاش ، حتى لما تطلعي من عندي روحي ع البيت أدرسي خلاص بيكفي لعب ، بدك شهادة حلوة لازم تضحي بأشياء كتير ! ..

صمت وأحباط مصحوبان بـ sad face ، يعتليان وجوهنا .. هدوء مابعد العاصفة ، مابعد التهزيء ، مابعد الحقيقة التي نعرفها ولا نريد الإقرار بها .. ويعود صوت الأستاذة مجدداً :

- حدا بدو coffee ؟

نهز رؤسنا يميناً ويساراً بـ ” لا ” وكأن قدرتنا على الكلام توقفت ..

- أوكي صحصحوا معي لكان ..

قالتها وهي ترمي بإتجاه كل واحدة منا علكة ” إكسترا ” ..

أستجمع قوتي وأعود لمحاولة التركيز معها من جديد وأنا أطرد كل الأفكار من رأسي سوى فكرة أن هذه هي فرصتي الوحيدة للفهم وأن مايحدث في القاعة ليس إلا ” مهزلة ” ..

- بنات شوفوا معي هون بيكون عندك حالة carry لما نسوي add ..  تذكروا جيم كاري وماراح تنسوا هالمعلومة..

تضيف عليها “هيا “  بكل أهمية  :

- إيه صح ترى بيجي له فيلم يوم الخميس على mbc

يتجه تركيزنا نحوها فجأة وكأننا للتو استيقضنا على معلومة مهمة :

- والله ؟ متى ؟

ننظر للإستاذة ، ننتظر توبيخاً ، لكنها تواصل :

- عن جد ! امتا بدو يجي ؟ شو أسمو الفيلم D:

- ههههههههههههه

وهكذا تنقضي تلك الثلاث ساعات المتواصلة التي نقضيها مساء كل خميس عند الأستاذة مها ، نخرج منها برؤوسٍ أثقلتها المعلومات ونفوسٍ أثقلها الهم ..

وفي طريق عودتي للمنزل ، أغص في زحام التحلية يوم الخميس ، لاشيء يدور برأسي الآن سوى ماكان يقال قبل قليل مع شيء من الهم الذي يعتريني كلما أقترب موعد الأختبار ، أعني أنها مجازفة حقيقية ، للمرة الأولى أختبر مادة لا أعي من أستاذتها حرفاً واحداً وأعتمد كلياً على دروس خصوصية لا أدري هل ستجعل الأمر ينجح أم لا ..

- هدا نفر مافي كويس ، بابا يعطي فلوس ، يعطي سيارة كويس ، هدا بس يجي سوي مشكل هنا في طريق ، سوي ميوزك سوي زحمة ، هدا بيبي فيه نعمة كتير مشكل كتير ..

أبتسمت وأنا اسمع هذه الكلمات التي كان يهذي بها السائق على مسمعي ، رغم كل الهم الذي كان يثقلني ، رغم أني كنت في عالمٍ آخر بعيداً حتى عن مايحدث في هذا الشارع حيث أنا الآن ، أبتسمت على أثر هذه الخطبة العصماء التي سمعتها .. نظرت إلى الشارع ، ابتسمت مرة أخرى وأنا أرى الأشكال وأستعيد كلماته الغاضبة وخطبته العصماء :

-  أيوه صح .. نفر فاضي ..

وتوالت صباحات السبت ذاتها طوال الأشهر الثلاثة ، نفس الروتين مع أختلافٍ بسيط ، مرة يصادف أن أجد مكاني المفضل قرب النافذة ومرة أجلس في نقطة الوسط ، مرة نتبادل الرسائل بالضغط على إرسال وأخرى نتبادلها بوضع دفترٍ مشترك بيننا ، مرة أكتب ” سالفة ” ، مرة أكتب خاطرة ، مرة أكتب تدوينة ، وأخرى أتأمل اللاشيء ، لاشيء أبداً يحثنا على أن نصغي ، نستمع ، نفتح أذهاننا ، لاشيء أبداً ،  ومتأكدة تماماً أن تلك الفتاة المجتهدة التي تجلس في الصف الأمامي مقابل وجه الاستاذة تماماً تعيش وضعنا ، تحدق في الأستاذة بتركيز ، تكتب كل ماينطقه فمها وإن كان غير مفهومٍ أبداً ، ترفع نظارتها بإستمرار كلما أنزلقت أثناء أنعكافها وهي تكتب ،تحاول كل يوم تلك المسكينة ان تبذل قصارى جهدها وتركيزها لتخرج بشيء مفيد منها لكن دون جدوى ، كنت أراها هناك تجلس معنا على ذات الطاولة المستديرة في تلك الغرفة الصغيرة المكتضة بالطالبات عند الأستاذة مها !

- إذا أنتو مابتهتموا بهذي المادة قولوا لي بالله بأيش تهتموا ؟ بالمواد العامة مثلاً ؟

صرخت بنا بعد أن شاهدت المنظر بتركيز واستوعبت عندما قارب الفصل الدراسي على الإنتهاء أن لا أحد معها على الخط !، عاودت الصراخ :

- تكلموا ! أنا نفسي أعرف إيش هيا المادة الي تجذبكم وتهتموا فيها ولا أنتم ولا شي بيهمكم ولا شي بيفرق معكم !

ولم تجد غير الصمت وبمعنى أصح الخوف وكأن الجميع استرجعوا عبارة من سبقونا ” أنتبهوا تحارشونها تراها تحط البنت براسها ” ..

- لا ، فيه مواد نهتم فيها لأننا نحس أننا نفهمها ونعرف أننا راح نحتاجها كثير في المراحل الجاية ، لكن الأسمبلي ، ماأعتقد أنو راح يأثر كثير خصوصاً أن أغلب الموجودين فالقاعة إذا أنا مو غلطانة تخصصوا information system وهالمادة ماتهمهم كثير !

لا أدري ماتلك الشجاعة التي زارتني فجأة فخرجت مني هذه الكلمات بصوتٍ حاولت قدر الإمكان أن أجعله هادئاً رغم أني أغلي من الداخل وأتمنى لو صرخت بها :

أنتِ لا تعلمين حقاً ما إذا كنا مجتهدين أو لا ..
أنتِ لا تعلمين أني كنت أغالب النعاس وأنا أحاول الإبقاء على تركيزي مع الأستاذة مها أثناء محاولتها حشو رأسي بالمعلومات التي يفترض أنكِ وكما تزعمين أوصلتها لعقولنا ،
أنتِ لا تعلمين أننا كنا نقف قبل أمس في شارع الثلاثين نرتجف في مساء الرياض البارد ، وقد خرجنا لتونا من الأستاذة ، ننتظر أن تفتح المكتبة أبوابها بعد صلاة العشاء حتى نحصل على نسختنا من درس اليوم ..
أنت لا تعملين سوى أنك تدرسين هذه المادة قبل أن أخرج من بطن أمي كما تقولين ، لذلك توقفي عن جنون العظمة هذا ، توقفي عنه على أقل تقدير إذا كانت محاولة إشعارك بالذنب أمراً مستحيلاً، فربما تجدي محاولة إشعاركِ بأنك لستِ شخصاً عظيماً !

- ماشاء الله ! تقولي غير مهمة المادة ! من قالك يا شاطرة ؟ كيف راح تعرفي تديري الديزاين لو مادرستيش الأسمبلي هاه ؟ .. بتقول غير مهمة ؟ .. أيش اسمك أنتي يا طالبة !

- نورة ..

قلتها وأنا أنظر لها بكل ماأوتيت من تبلد ، تمسك ورقة كشف الأسماء ، تضع علامة عند أسمي ، شعرت بأصابع تهز كتفي من الخلف ، ألتفت ، وإذا بطالبتين تشيران بيديهما ” أنتي كذااااا b “، ابتسم لهما وأعاود الإلتفات إلى الأمام وأنا أفكر بالعواقب التي تنتظرني وأحدث نفسي ” معليش لازم الواحد يكون فدائي ، معليش يانورة معليش عاااادي D: “

- رزان عبدالعزيز ، وينها رزان ؟!

- نعم ..

ترفع رزان يدها بكل أسى ، تلك المسكينة التي لا تقع عينا الأستاذة إلى على أسمها في ورقة الكشف ..

- أطلعي ع السبورة حلي Exercise 1  تبع الشيت ..

- تيتشر مافهمت السؤال ، ما أقدر أطلع

- هذي ثاني مرة بنادي على إسمك يا رزان ومابتحلي ، انتبهي على حالك ، إذا ماطلعتي راح ننقصك .

- طيب ، أوكي .

تلتفت إلي وتعابير وجهها توحي برغبة في الصراخ :

- ياربي وش أسوي فيها متسلطة علي هالإنسانة ماتشوف ألا أسمي بالورقة وبعديييين ياليل الأسمبلي ! المحاضرة الجاية إذا كانت أكسرسايز ماراح أحضر أكيد بتقومني !

تنهيدة تصدر من كلتينا وصمتٌ مطبق ..

- بنات تراها على ماأظن تعطي Bonus للي ما قد غاب عندها أبداً

- والله ! كويس يعني أطلع بفايدة من حضوري ..

وأصبحت كلمة Bonus محفزي الوحيد الصغير على التجلد والحضور رغم جمال البقاء في البيت في بردٍ كهذا ..

كنت أحدق بباب المصعد أنتظره أن ينفتح بفارغ الصبر ذلك الصباح الذي تشاركنا فيه ذات المصعد ، أنا و هي  وحدنا، فكرة واحدة فقط كانت تدور برأسي لحظتها :

I wanna shoot your head !

أحلم بلعبةٍ يتواجد فيها رأسها بينما أقوم أنا برميه بالرصاص في كل مرة يظهر فيها ، تماماً كتلك الألعاب التي يفيض بها الأنترنت بوجه ” جورج بوش ” ! ، استغرب حقاً كيف مددت يدي لحظة أنفتح المصعد وأنا أشير لها أن تفضلي ! ، أعلم أني أفعلها غالباً لكن المعجزة أن أفعلها معها! ، كان الباب ينغلق ببطء أمام عيني وأنا أراها تخرج من المصعد وتبتعد بإتجاه الأمام ، لم يبقى إلا فتحة صغيرة جداً وينغلق الباب بالكامل ، لا شيء يمكن رؤيته من خلال هذه الفتحة سواها ، وبلحظة راودتني الفكرة ونفذتها بما أنه لا يوجد سواي في المصعد ولن يتهمني أحدٌ بالجنون ، أشهرت سبابتي وأبهامي على شكل مسدس ، رفعتهما بمستوى بصري وضغطت على الزناد بإتجاهها ، واستطاعت الرصاصة أن تسابق الباب وتنفذ إلى الخارج بإتجاه الهدف !

- يسسسسسس

كنت أشعر بسعادة لا توصف ، نفخت سبابتي لأزيل آثار الجريمة ، انفتح المصعد وخرجت وكأني بطلةٌ في فيلم مافيا ..

” أهلين نورة ، طمنيني عنك أن شاء الله نجحتي بالأسمبلي ؟ “

استيقظت على هذه الرسالة من أستاذة مها ، كتبت وأنا شبه نائمة :

” أهلين أستاذة ، إي الحمد لله نجحت ع الحافة ، ع حافة الحافة ، شكراً كثير على سؤالك ، بس الدكتورة لسى موجودة ، و المعاناة بتستمر مع البنات الجدد كل سنة  again and again “  …

حكايا شتاء 2

ديسمبر 20th, 2009

3204599230_002573816d1

فتحت عيني ببطء ، ليس كسلاً بقدر ماهو شعور حقيقي بثقل أجفاني وحرارتها ، وضعت يدي على جبيني ، آآآوتش ساخن ككوب قهوة قارب على البرودة !  كنت أشعر بإعياء بسيط ليلة أمس ، لم أتوقع أن يتفاقم الأمر إلا هذا الحد ! ، تحركت من فراشي بثقلٍ وأنا أشعر بشيء أشبه بـ كرة قاسية تتحرك في حلقي ، أوووه ما هذا أيضاً حمى وألتهاب و .. ” آآآآآتشو ” ، وأكتملت اللوحة الفنية ! لالا ، لا بد أن أعلن حالة الطواريء ، الأمر يسير بشكلٍ جدي !

مشيت ببطء نحو الصالة بعدما بدلت ملابسي وهممت بالخروج ،  دخلت بهدوء وكلي كسلٌ حتى في إلقاء السلام ..

- صباح الخير ! بدري ؟  مو بالعادة كل هالنوم !

صوت ثانٍ يكمل :

- من جد وينك من أمس عايش بعالم ثاني !

ويأتي دور والدتي التي تكتفي بإرسال إبتسامة من وجهها البشوش نحوي ، أجيبهم بصوتٍ حزين بئيس يخرج من حنجرة مصابة بإلتهاب مع تعابير وجه تراجيدية وأنفٍ قارب على الإحمرار ، وكأني أقف على مسرح ممسكاً المايك بيدي أمام جمهورٍ غفير :

- غديت طفلـن ضايعـن فيه عبره .. ومحدن سأل وش فيه ماقاااال لا باااس

- لاااااا خلاص أرجوووك ستوب ستوب … لا تشوه الشي الجميل هذا بصوتك الأليم ! أعتزل تكفى ..

- أنتي يحصل لك أصلاَ ! أجل من أمس تعبان ومنهد حيلي ومحد يدري عني : (

وكما توقعت ،  اندفعت والدتي بسيل من الكلمات التي كنت أنتظرها وأتصنع المشهد التراجيدي قبل قليل من أجل الإستمتاع بسماعها :

- بسم الله عليك وش بك ؟ مرتفعة حرارتك ؟ وراه ماقلت لي أمس وانا أمك أسوي لك زنجبيل وأجيب لك موية مقري فيها..

وظلت والدتي تتحدث لدقائق لم ألتقط كل كلمة قالتها ، كان يكفيني فقط أن أشعر أنها تتحدث الآن عني بخوف وحرص ! ، رغم أني أصبحت رجلاً لكني لازلت كطفلٍ لا يشبعه حنان أمه مهما كان مقداره ، لايرضي كبرياءه سوى دلالها الزائد ” حبتين ” !

قبلتها على رأسها بعدما أعطتني جرعة كلامٍ أرضى غروري وزادني تصنعاً للألم أمام أخوتي الذين ما أنفكوا يسخرون من عطساتي المتوالية ، ركبت سيارتي وقدتها ببطء نحو المستشفى لأتخلص من هذا الزكام\الزحام  الذي يتلبسني …

” ألحين الي يقعد بأنتظار مستشفى يستنى ينادون أسمه ويكون حاط الآي بود ومنزل راسه شلون بيسمع أسمه بالله ! ”

كنت أتأمل أحدهم حين كتبت هذه العبارة بأصابعي التي أدمنت أحرف البلاك بيري ثم رميته بتكاسل على المقعد المجاور لي وأسندت رأسي للجدار وأنا أسمع أصواتاً مختلفة مابين ” أحممم ” و ” آتشوووو” و صوت ممرضة تنادي بأسماء كـ  ” موهمد ” و ” كالد” ممتزجة بصوت المصعد الذي يعلن وصوله للدور الأرضي في قسم الطواريء بمستشفى ” دله ” ..

- Beautiful nose

قالها لي العامل الذي أقترب مني ليعقم الأرضية ..

- excuse me ! are you kidding me

قلتها بتهكم وأنا أنظر إليه بنصف عين ورأسي لازال مسنداً على الجدار

- No sir !! I’m serious

-    Thank you thank you , I know… It’s beautiful ..  :D  I know

قلتها بمزاح وشيء من ثقة وأنا أغفر لأنفي أحمراره الغير مرغوب هذا !

سحبت المنديل العاشر وأصابع يدي الأخرى مشغولة بالـ BB ، كتبت بكل ثقة ” قايل لكم من زمان خشمي حلو ! “، عطست للمرة المليون ، اعدت النظر إلى الشاشة وكتبت للمرة المليون ” آآآآتشووو” وتوالت على شاشتي للمرة المليون ” يرحمك الله ” ! ، تدخل الممرضة ونظراتي نحو حركة شفتيها أنتظرها أن تنطق بـ ” موهمد ” لعله يكون أنا ، لكنها تبدع في أسمٍ آخر فأتململ وأتراخى مجدداً على كرسيي حتى مضى قرابة الساعتين بدأ خلالهما جسمي يتراخى شيئاً فشيئاَ ويستسلم للحمى أكثر ، أصبحت أرتجف قليلاً ! ، أشعر بوهن فظيع ، أتألم من أي شيء يصدم بجسدي حتى لو كان شيئاً صغيراً بحجم الأصبع ! ، وحرارة فظيعة تملأ أجفاني كلما حركتها !

مشيت ببطء نحو الجهة المقابلة  حيث يقبع  د.كيف في الطرف الآخر من الطواريء ، أخذت كوب قهوتي وعدت أدراجي ويدي الأخرى وعيناني مشغولتان بجهازي ، مشيت حتى كدت أقترب نحو الطرف الآخر و .. ينفتح باب الطواريء وسريران يندفعان أمامي فجأة وسط أصوات المسعفين المتداخلة الذين تناثروا خارجين من سيارة الأسعاف، أحد السريرين يحمل شخصاً فاقد الوعي غارقاً في دماءه والآخر يحمل شخصاً يأن بألم وقدمه تنزف بغزارة ، ضحايا حادث سير بلا شك ! ، تبعهما أمرأة  ورجل يركضان خلف السريرين ، مع شيء من بكاءٍ وأصواتٍ عالية ، تماماً كما في المسلسلات الخليجية ! ، عدت خطوتين للوراء حتى لا أقف عثرة في وجه السريرين القادمين بقوة من جهة الباب ، كنت مذهولاً من هول المنظر ، أرتجف ومرتبك و “آآآآآح” سقط الكوب من يدي ، لا أدري لمِ سقط بهذه السهولة هل لأني كنت أنتفض بشدة من الحمى لا أقدر على حمل نفسي ونسمة الهواء تسقط من يدي أخف الأشياء ، ام لأن السرير الذي مر بلحظة من أمامي أعاد لي ذكرى يومٍ سيء كنت فيه مثل ذلك الرجل الملون بدمائه فارتجفت لهول الذكرى وسقط الكوب ، أم لأن باب الطواريء حين انفتح أدخل معه هواء الرياض البارد  الذي كان يصارع الزجاج في الخارج فانتـفضت وسقط الكوب ؟ … لا أدري ! انصرفت وأنا لازلت أعيش الذهول ذاته نحو دورة المياه لأنظف ثوبي المتسخ بقهوتي المرتجفة ، وسمعت أسم ” موهمد ” أخيراً ويبدو أنه أنا ، تبعت الممرضة  إلى الطبيب الذي أستغرق الأمر معه دقيقتين قبل أن يقول :

- تحتاج مغذي ، وزي ماقلت لك داوم عـ Panadol Cold & Flu

- أوكي ، أي أنا جاي عشان المغذي أصلاً : )

كان آخر ماأذكره ارتباك الممرضة الفاشلة التي عذبتني حتى أستطاعت أخيراً أن تجد طريقها لعروقي وتدس أبرتها فيها!

” مين الكسلان الي يخاف من الأبرة ! ”

كتبتها وتراخت يدي وضاع جهازي في زحمة الأغطية البيضاء وضاع معه أدراكي وأصوات الممرضات  تخفت من حولي بالتدريج ، الصور تتداخل بالتدريج حتى تفقد هويتها ، أختي تضع يديها على أذنيها حتى لا تسمع غنائي ، وجه أمي القلق ، القهوة المنسكبة ، دماء على وجه رجل وآخر يضع آيبود ويسترخي ، وجه الطبيب المرهق وجه الممرضة الحانق ، أنبوبة المحلول الذي يغذيني ،  وانقطع الصوت تماماً ، واندمجت الصور للونٍ واحد أسود و أنقطعتُ أنا و … نمت بعمق …

:

:

* موهمد = محمد … كالد = خالد p :

* مصدر الصورة .

حكايا شتاء 1

ديسمبر 13th, 2009

كنت أتفرج بإستمتاع على المشاة  وهم يسيرون جماعات بهدوء الفجر وسكونه ، أتأملهم تارة وأرفع بصري نحو السماء تارة أخرى ، وقت رائع ومنظر رائع يندر أن يتكررا علي ، أحسست بحركة في المقعد المجاور لي ، التفت وإذا بفتاة تجلس عليه على عجل ، أنطلقنا بعدها بدقائق ، هدوء يعم الأجواء فالجميع يغلبهم النعاس ، كدت أصدر ضحكة مسموعة حين سمعت صوت اصطكاك أسنان ببعضها من شدة البرد ،التفت يميناً وأنا أغالب الضحكة التي أندست مع صوتي :

- بردانه ؟

- إيه مررررة  وش ذا ، برا برد ، وجوا الباص برد !

هنا وجدت صعوبة أكثر في كتم ضحكتي فصوتها الطفولي كان مليئاً بالصدق ومعبراً عن معاناتها مع الجو ، مددت يدي نحو مسند مقعدي وناولتها سترتي ..

- خذي جاكيتي أنا ما أحتاجه جايبته أحتياط .

- يمكن تبردين طيب ؟

- لا  الجو عاجبني : )

التقطته بإمتنان كمن وجد كوب ماء بارد في وسط الصحراء ، تحركت من مقعدها لتتمكن من لبسه جيداً ..

- هههههه شكلك يضحك ، جكيت جينز فوق العباية هههههههه .

- عااادي محد داري طالعيهم نصهم نايمين ، أهم شي أتدفى ، بس وأنا واقفة ألبسه تو أحس أني أزعجت الرجال الي قدامي  .

- لا عادي هذا أبوي ، أصلاً أنا أحسه طفشان من  الي بجنبه شكله مزعج وحركته كثيرة ، يعني ماراح يحس بحركتك لاهي باللي جنبه  .

- الي بجنبه أخوي : )

-  +_+

ضحكت بخجل وصرفت وجهي مرة أخرى للنافذة قبل أن أوقع نفسي في إحراجٍ آخر ، لكني عاودت الإلتفات على أثر صوتها تسأل :

- الحين متى تتوقعين نوصل عرفة ؟ يعني بنطول بالطريق ؟

- والله مدري على حسب خطة السير ، إذا توفقنا أن شاء الله الساعة 6 .. يعني ندخلها والشمس توها تطلع : )

- أهااا .. أقول .. أنا بثاني متوسط أنتي بصف كم ؟

لم أكن متفاجأة ، شكلها وحركتها الكثيرة وصوتها ، كل هذه الأشياء تدل على عمرها ، تبدو لي طفلة مرحة بعض الشي ، لكني تأكدت من ذلك حين أخبرتها أني في الجامعة فأجابت وهي تسترخي أكثر في مقعدها ويبدو عليها الإرتياح وقد توقف اصطكاك أسنانها :

- أحلااا حركات والله ! يوووه متى أصير بالجامعة وناسة !

ضحكتُ من نبرة صوتها وطريقة كلامها ، شعرت أنها مازالت صغيرة على أستشعار رحلة كهذه الرحلة ، سكتنا ، وعدت لنافذتي من جديد حيث يتغير المنظر كل 10 دقائق أثناء سيرنا البطيء ، أحسست فجأة بشيء يحط على كتفي الأيمن ، أدرت رأسي ببطء وهدوء وإذا بها قد نامت على كتفي : ) ، أشفقت عليها جداً ، تبدو كطفلةٍ أرهقها اللعب ، بقيت على هذه الحال حتى أخبرتها أننا وصلنا إلى عرفة وأنني أريد كتفي بعد إذنها حتى أتمكن من اللحاق بأهلي اللذين سبقوني في النزول من الحافلة ، استيقظَت بإرتباك وانصرفتُ أنا ..

من الغد ، كنت أسير داخل المخيم في منى متجهة للتموين لأحصل على قارورة ماء بارد حين لمحت فتاة صغيرة ،  ابتسمت لها بمجرد رؤيتي لجاكيت الجينز الذي كانت ترتديه ، إذن هذه هي رأيتها أخيراً ، ارسلت لي نظرة أستغراب بحاجب معقوف تماماً كما تفعل فتيات المرحلة المتوسطة حين يحاولن ممارسة تعابير الوجه التي يعتقدن أنها تدل على قوة الشخصية وتوديع الطفولة ، تمتمت بصوت منخفض وحاجبها لازال مرفوعاً بشموخ :

- تعرفيني عشان تبتسمين لي ؟ أعرفك ؟ أي خدمة ؟

أجبتها وقد أتسعت ابتسامتي أكثر :

- لا ما أعرفك : )

- الحمد لله والشكر !

أخذت عبوة الماء وانصرفت وأنا أطير العبوة في الهواء ثم أعود وألتقطها من جديد ، وهي لازالت تراقب وتحمد ربها على النعمة : )

في المساء ، وبينما أجتمعت مع فتيات غرفتنا نثرثر ونصف الأشكال الغريبة التي رأينها اليوم وكل واحدة تصف ماحدث لها أثناء الرمي ، قاطع ضحكنا وأصواتنا العالية صوت أحدى الخالات :

- يابنيات خلوا عنكم السواليف قوموا صلوا وأذكروا ربكم لاحقين على السواليف إذا رجعنا للرياض ، ترى هالأيام من ذهب ، أنتم تضمنون أعماركم أنكم تعيدون هالتجربة ؟

أخفضنا أصواتنا مع شعور بالتقصير في أستغلال الوقت ، واعتراف ظهر على ملامح كلٍ منا بإبتسامة خجلة بأننا نقضي في الثرثرة مايكفي لصلاة تراويح ! ، بعد انصراف الخالة مباشرة أتى صوتٌ جهوري يظهر عليه الملل من كثرة أعادة مايقوله :

- أنتم آخر غرفة أمر عليها ، هذا الجاكيت لمين ؟ أنا أخذته أمس من وحدة بس ماأعرفها .

نظرنا إلى بعضنا وأنفجرنا ضاحكين في الوقت نفسه ، لأني قبل دقائق فقط كنت أحدثهم عنها ، رفعت يدي وأنا أنظر إليها نظرة أنتصار واستمتاع بالموقف في الوقت ذاته ..

- أنتي !!!

_ يب : )

_ شسمه .. آسفة .. والله ماكنت أدري يوم ابتسمتي ..

_ يعني لو ماكان جاكيتي ماكنتي بتقبلين الإبتسامة ؟

_ ألا ..  بس ..

_  طيب ياستي يفداك الجاكيت .. بس لا تعصبين مرة ثانية .. يصلح ترى تقولين كذا  ” : )  “وخلاص !

_ : )

رميت الجاكيت جانباً ، انشغلت بعدها بلحظات ،لم أرى تلك الصغيرة المضحكة مجدداً ، لكني لازلت أبتسم لنفسي كلما لبست ذلك الجاكيت وتذكرت تلك الفتاة بحاجبها المعقوف واسنانها الـ “بردانه ” ! …

:

:

* حكايا شتاء ، عنوان سأدرج تحته عدة حكايا مرتبطة بالشتاء ، بعضها قد يكون من واقعي ، بعضها قد يكون مجرد حكايا ، لا أعدكم بالتسلسل والإنتظام ، لا أعدكم بالكثير ، لكني أعدكم بأن أنصف الشتاء في هذه الحكايا : )

Shut Down the life !

نوفمبر 11th, 2009

blackout

،، أكتب الآن من وسط الظلام !
فجأة .. انقطعت الكهرباء ..
تلك اللحظة الي يصمت فيها كل شيء .. غريبة وجميلة في نفس الوقت
تجعلك تفكر بمعنى كلمة ” فجأة ” !
لم يبقى سوى 13 دقيقة وتنتهي بطارية جهازي
تخيلت لو كانت هذه ال13 دقيقة هي آخر تواصل لي مع العالم ..
ماذا سأكتب .. ماذا سأقول ؟!
اجدني فقط صامته .. مستسلمة لمرور الوقت .. انتظر أن يكتمل الظلام .. وينقطع العالم ! ,,

كتبت هذه العبارات قبل قليل .. حين صمت كل شيء فجأة ! ، انقطاع الكهرباء ليس شيئاً عظيماً يستحق الحديث لكنه يستحق التأمل ! ، للحظة أحسست بسكون غريب قبل أن تبدأ الأصوات تتعالى ، الهذه الدرجة كنا نعيش في صخب الأجهزة من حولنا دون أن نحس ؟ ، كل شيء أنقطع ماعدا جهازي الذي يعتمد على بطاريته ، ودقائق وانقطع هو الآخر أيضاً ، كل شيء أنقطع ، في لحظة واحدة .. لحظة واحدة .. حصلت هذه الأشياء :
- لايمكن عرض الصفحة .
- هيا ياصديقي أنه ينتظرنا في الـ .. ثم شاشة سوداء تخفي ملامح سبيستون في لحظة .
- توقف تيار الهواء البارد الذي كان يأتيني من أعلى اليسار .
- انسحبت الألوان والأبعاد بلحظة من كل الأشياء .
- أغلق أبي جريدته .

ثم ماذا ، لم أجد ماأفعله ، حقاً لايوجد ماتفعله عندما تنقطع الكهرباء سوى أن تجلس وتثرثر ، بالتأكيد لن تتمكن من النوم بدون تكييف وأنت تعيش في الرياض ! وجدتني اتسكع بلا هدف رغم امتلائي بالأشياء التي أريد أنجازها ، أما أختي ريما فبما أن جهازها ودعها فجأة لأنه موصول بالكهرباء وبما أنها أنتهت من ” السواليف ” مع صاحباتها هذا اليوم ، وبما أن الدنيا ظلام ولاشيء يغري بالتصوير ، فأنسب حل تقضي فيه على الملل هو المذاكرة بما أنها ” فاضية ” ! ، نعم هكذا تأتي الرغبة العارمة في المذاكرة  في الأوقات الغير طبيعية D: ، ولو على إضاءة بسيطة كإضاءة الجوال ! .

جلست في الصالة بما أنها تجمع العدد الأكبر من الأصوات و ” السواليف ” وبالتالي تقضي بنسبة أكبر على وقت الفراغ الأسود هذا ، فإذا بأخي محمد يطلق لخياله العنان ويبدأ يسرد علي قصص الظلام و ” الحرامية “، تليها حركة ” اتحداك انا وش قاعد أسوي الحين ؟ ” والتي أجيب عنها تخميناً وفي كل مرة تصبح ” غلط عليك ماتشوفين ! ” ، نعم يا أستاذ ما أشوف والله ما أشوف ! ، تذكرت لقطات الكرتون التي تكون الشاشة فيها سوداء ولا يوجد سوى أعين وأصوات : ) .
دحومي وما أدراك مادحومي ، يفتح الشباك ويطل على السائق من الأعلى وبلهجة واثقة يرفع صوته ” صديق أنتا ليش سكر كهرباء بابا يقول سوي شغل ! ” ، وبزعم أنه ” حلها ” ، يعود ويستلقي ويصفصف عبارات الملل والطفش ،أبي يتحدث مع جدي على الجوال ، كعادته جدي حفظه الله يتصل ليطمئن على أحوال الرعية ويتأكد أن أحدنا لم يصطدم بالجدار ويخرج من الجهة الأخرى ، أو أن اثنين منا لم يصطدما وكل منهما يدعي أن الخطأ على الآخر ،أو أن أحدنا نزل للدور السفلي بخطوة واحدة فقط ! أصبح أتصاله عند أنقطاعات الكهرباء المتباعدة أمراً طبيعياً حتى وإن كان الأمر مجرد كهرباء لاشيء يدعو إلى الخوف .. كم أحب هذا الرجل !

وقفت متجهة لغرفتي ، و ..
- صوت يأتي فجأة : سبيستون .. قناة شباب المستقبل ..
- هواء بارد ..
- ألوان وأبعاد ..
- شاشة الجوال تضيء ” charging the battery ”
- شاشة سطح المكتب تضيء ..
- تم العثور على الشبكة ..

عاد كلٌ لمكانه وماكان يفعله ، القيت نظرة على ساعتي ، ساعة كاملة مرت قبل أن تعود الحياة ، شكراً لله الذي ألهم ويليام جيلبرت وتوماس أديسون فكرة كهذه !

:

* ماذا تفعلون حين تنقطع الكهرباء ، هل من تسلية تقومون بها ؟ أريد الإستفادة ، من يدري ربما تحدث مرة أخرى : )

البريد المُرسل

أكتوبر 18th, 2009

messages

(1)

إلى : أبو بشير - حارس بوابة القسم الثانوي في مدارس السمو .

صباحك خير وبركة ياعم ، صباحك طهر يشبه صوت القرآن الذي ينبعث من الردايو العتيق الذي يجلس بجوارك يشاركك وحدة الصباح ، لقد أصبحتَ خلال السنوات الثلاث الماضية ودون أن أشعر أحد أهم الوجوه التي يبدأ بها يومي ، وجهك الذي يحمل نظارة سميكة ولحية بيضاء يبعث في نفسي الراحة كثيراً ، أعتدت رؤيتك كل صباح حين أضع ريما في مدرستها ، أعتدت رؤية يدك التي تقلب موجات الراديو والأخرى التي تتكئ على عصاك الخشبي السميك ، أتعلم ، كنت مصدومة حين علمت أنك ” مصري الجنسية ” ! ، يا ألله كيف ذلك ، الوجه واللحية البيضاء ، الثوب السعودي الأبيض وتشخيصة الشماغ الفائقة الدقة ، الردايو والعصى والقهوة في صباحات الشتاء ! ، كل تلك الأشياء جعلتني مصدومة لفترة ! ، صوتك المسن عبر المايك بمجرد أن تلمح السيارة في طرف الشارع ” ريما الشمسان .. ياالله يا ريما ” ، كل روتين الذهاب والعودة وذلك الباب الأخضر الذي تجلس بجواره ، كل تلك الأشياء مرتبطة بك وبذاكرتي منذ ثلاث سنوات ولا زالت ! ، حفظك الله يا عم وآنس وحدتك .

(2)

إلى : حقيبتي - رفيقة الصباح .

ألم تملي من كتفي ؟ حسناً سأقولها بصراحة ، أنا مللت من حملك ! ، تباً لكِ في كل مرةٍ تزدادين وزناً يملأ كتفي بالألم ورأسي بالصداع ، صدقيني أيتها المسكينة لا تعلمين حقيقة الأثقال التي تحملينها ، أنها أكبر من أن تُحمل ، ثقيلة جداً ، مليئة بالصداع ، لكنها في نفس الوقت ، ذكية جداً ، عكسكِ تماماً ! ، تباً لكِ كيف تتلاعبين بي وتستغلين حجمك الكبير لتبتلعي أشيائي بين ثناياك ؟ ، لا أحب إستظرافكِ أبداً حين أسمع صوت جوالي يرن وأنتِ تخفينه بين كومة الأشياء بداخلك وكانك تلعبين معي، فتدفعين لي بالعطر وبالقلم وبالمنديل وبكل شيء ماعدا الجوال ! ، وهل هذا وقتكِ حتى تسرقي الجوال وتدسيه بين ثنايا كتاب ! ، أرأيتِ لقد أُقفل الخط ! ، أرجوكِ أتمنى أن تستمري على الوضع الذي رتبتكِ فيه في الصباح ، استمري حتى المساء ، ولو ليوم واحد فقط !

(3)

إلى : CARIBOU coffee  -  Riyadh

أتعلم أن زجاجك السميك هو من أكبر الأسباب التي تجعلني أنجذب للبقاء فيك مدة أطول ، لأنه يظهر زحام الشارع وأنوار السيارات وأنوار المجمع التجاري المقابل وأجساد المارة بشكلٍ مبهم غير محدد المعالم ، يجعلني أركز نظري في دائرة حمراء مقترنة بأخرى صفراء ليستا سوى أنوار سيارات تتحرك فتتحرك الدائرتين فينقطع الشرود لأعود من جديد لكوب قهوتي الذي فارقته الحرارة ، فأنشغل عنه بالجهة الأخرى منك أسمع ضحكات الأطفال وثرثرات الفتيات مقترنة بصوت الأكواب ، أنت محرضٌ جيد للأفكار ، ومحرضٌ جيد لسماع ثرثرات الآخرين برغبة أو بدون رغبة ، فحجمك الصغير وطاولاتك المتقاربة كفيلان بنشرة أخبار :)

(4)

إلى : صديقتي لينا .

هل يجب أن نشكر الله في الكريسمس القادم لأنكِ ستُشرفين ؟ D: ، أشتقتك وربي بحجم المسافة بين هنا وأمريكا ، أريد أن نقضي معاً وقتاً مليئاً بالثرثرة ، أريد أن أرى هذا التعبير( P: ) على وجهك كما أحبه ، وليس على صفحة الفيس بوك :( ، لا تتأخري ، أعدك أن العشاء سيكون أفضل من تورتيلا وبيبسي على أريكة المجلس مصحوباً بتوبيخ أمي على تقصيري في الضيافة D: ، لن يكون هناك أتكيت طاولة ، وسنرى من التي ستنسى ” الكتشب ” على ذقنها أولاً D:

(5)

إلى : وشاح حفل التخرج من الثانوية .

لا أدري لماذا لازلت تحتفظ بمكانك في غرفتي معلقاً من الرف إلى الهواء ، منذ 2006 وأنت قابع في المكان ذاته ! ، بدلت كل الأشياء حولك ومازلت هناك ، لاأدري ماسبب إبقائي عليك في هذا المكان رغم أن لونك يفسد ألوان الغرفة وشكلها العام ، لم أعد أشعر بذات الزهو الذي كنت أشعر به كلما لمحتك في 2006 ، الآن أنت قطعة قماش زرقاء كتب عليها إسمي ووضعتها ذات يومٍ لا يُنسى على صدري ، أتذكر تاج الورد الذي كنت ألبسه حينها ؟ لقد ذبل وتساقطت أوراقه بعد أيام من  ذلك الحفل ، أما أنت فما زلت بذات الرونق كما لو أنك صُنعت بالأمس ، ربما أزيحك جانباً حين ألبس عباءة التخرج السوداء ، ربما أعلق قبعة التخرج هنا بدلاً منك ، ربما ، لكنك لازلت جيداً في إعطائي دفعات من الحماس بما يجعلني لا أرغب بإقصائك الآن .

(6)

إلى : بريدي في الـ Hotmail

رغم أنك كنت لسنواتٍ طويلة ذلك الصندوق العجيب المليء بالهدايا والحكايا ، لم أكن أعرف غيرك ، ولم أكن أعتمد على غيرك ، هاأنت الآن تشيخ وتذبل وتفقد أحبائك شيئاً فشيئاً بعد أن أغراهم الـ Gmail بمرونته وبساطته ، أعترف لك بأني أمر عليك مرور الكرام ، أحاول الأسراع في نفضك من محتواك ، فلم تعد تغريني كما كنت سابقاً ، فكل ما أصبحت عليه الآن هو كومة من الرسائلة المملة المختومة بـ FW ، والتي تستنسخ نفسها لأكثر من نسخة لتملأك بما لا يستحق ، أعذرني يا عزيزي ، لم تعد كلمة  Hot  السريعة تناسبك الآن وقد أصبحت كهلاً ، ربما Cold أفضل ؟ .

(7)

إلى : حلا - أجمل الأطفال في عيني وأقربهم لقلبي .

سامحيني لأني لا أُقاوم سحر ابتسامتك التي تدفعني كل دقيقة تكونين فيها أمامي إلى أن أقرص وجنتيك بقوة حتى تتألمي ، أعلم أنك تغضبين مني في كل مرة ، لكني سأعترف لك بشيء شرير ، أنا أستمتع جداً بصوتك المتباكي حينها ” يوماااا ..  شوفي نورة تقبصن ” ، لا تعلمين يا حبيبتي ماهي الطاقة التي تتولد في أصابعي نحو وجنتيك حين تدخلين غرفتي بكل براءة ” نورة عندتس علك ؟ ” فتعبثين بأدراجي ثم تلتفتين بعد أن اعياكِ البحث وسقطت خصلات شعركِ على جبينك وعينيك ، فتتمتمين وانت تزيحينها برفقٍ نحو الأعلى ” وه .. تعبت .. وينوه مالقيتوه ” ، يا حمقاء ، الا تعلمين أنكِ بهذا المنظر تجلبين لنفسكِ المزيد من القرصات ؟ ، يا حلا .. أكبري بسرعة لتقرأي كلماتي وتعاقبيني على جرائمي في حق وجنتيك .

(8)

إلى : الشعرة البيضاء في رأسي .

أهلاً ! ، للتو فقط لمحتك وأنا أفرش أسناني وأنظر لنفسي في المرآة ! ، حسناً ، لست من أولئك العباقرة الذين يسابقون الزمن في حل المسائل الحسابية ، ولست من أولئك اللذين بلغوا من الكبر عتياً ، فما موقعك من الإعراب يا آنسة ؟ ، كل ما أتمناه أن تبقي آنسة وحيدة هنا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً ، حينها تكاثري في رأسي كما تشائين ، أريني قوتكِ .

صفحات
تصنيفات
متواجدون الآن